مأرب برس - 8/28/2026 8:19:57 PM - GMT (+3 )
الجمعة 28 أغسطس-آب 2026 الساعة 08 مساءً / مأرب برس - وكالات
تربط الإمارات وإيران علاقات تعود إلى قرون، وأسهم القرب الجغرافي والروابط التاريخية في نشوء شبكة واسعة من العلاقات التجارية والاجتماعية بين البلدين. وينحدر كثير من الإماراتيين من أصول فارسية، كما اتخذ مئات الآلاف من الإيرانيين، من مختلف الطبقات الاجتماعية، من الإمارات وطناً لهم، مستفيدين من الوصول إلى رؤوس الأموال العالمية ومن حريات يحظرها النظام في الجمهورية الإسلامية، وفي المقابل جلبوا معهم مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية.
ومع استمرار هذه الروابط وتشابك المصالح الاقتصادية بين البلدين، تواجه دبي ضغوطاً أميركية متزايدة لوقف أو تقييد النشاط الاقتصادي الإيراني على أراضيها. وحذر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت من أن الولايات المتحدة لن تغض الطرف بعد الآن عندما تدعم دولٌ النشاط الاقتصادي الإيراني، لكن جولة في دبي تُظهر أن جانباً كبيراً من هذه الأنشطة لا يزال قائماً على مرأى من الجميع.
وقالت صحيفة "وول ستريت جورنال" إن النشاط التجاري الإيراني في دبي، المركز التجاري الرئيسي لدولة الإمارات، يمتلك جذوراً عميقة ومصالح متبادلة ومربحة للطرفين، ولا يزال مزدهراً رغم التحذيرات الأميركية والعقوبات المفروضة على شبكات مرتبطة بإيران.
ولا تزال البنوك الإيرانية المنتشرة في أنحاء دبي مفتوحة، ومن بينها فرع متعدد الطوابق لـ"بنك ملي إيران" على امتداد خور دبي في الجزء القديم من المدينة.
وكان بيسنت قد دعا على وجه التحديد إلى إغلاق جميع فروع "بنك ملي"، إلا أن نحو 12 موظفاً في شبابيك الصرافة واصلوا، بعد الإعلان الأميركي، خدمة العملاء الناطقين بالفارسية الذين توافدوا إلى الفرع لإجراء معاملاتهم، داخل مبنى مضاء ومزين بجداريات وبلاط ذي طابع فارسي.
وبدأ بنك ملي العمل في الإمارات عام 1969، أي قبل قيام دولة الإمارات، ولديه فرعان في دبي، وكان حاكم الإمارة قد افتتح أول فرع للبنك فيها.
وقال موظفون إيرانيون في فرع البنك الواقع في الجزء القديم من المدينة إنهم لم يتلقوا أي إشعار بالإغلاق، وإنهم سيواصلون العمل ما لم يصدر مثل هذا الإشعار.
وقال موظف إيراني في البنك: "نتوكل على الله فيما سيحدث بعد ذلك".
وبدأ إيرانيون مقيمون في دبي، تحسباً لأي إجراءات مستقبلية، التخطيط لبدائل لتحويل الأموال من إيران وإليها في حال إغلاق البنوك، ومن بين الخيارات المطروحة نظام "الحوالة" الذي يعود إلى قرون، ويتيح نقل الأموال من مكان إلى آخر اعتماداً بالكامل على الثقة، إذ تُودع الأموال لدى وسيط في مكان ما، ثم يدفعها وسيط آخر في إيران، على أن يجري الوسيطان تسوية الحسابات بينهما لاحقاً.
غير أن اللجوء إلى هذه البدائل لم يصبح ضرورياً حتى الآن. وقال إيرانيون في أنحاء مختلفة من دبي إن الأوضاع تحسنت مقارنة بأوائل الربيع، عندما شنت الإمارات حملة واسعة على الإيرانيين في البلاد، أغلقت خلالها مستشفى ونادياً اجتماعياً، وفرضت حظراً مؤقتاً على دخول حاملي جوازات السفر الإيرانية إلى البلاد أو حتى عبورهم عبرها، كما ألغت تأشيرات بعض الإيرانيين، بينهم مقيمون منذ فترة طويلة كانوا مسافرين إلى الخارج في ذلك الوقت.
وقال إيرانيون إن عمليات إلغاء التأشيرات على نطاق واسع، والتي لم يُعلن عنها رسمياً، لا يبدو أنها مستمرة، كما أُعيد العمل ببعض التأشيرات.
ولا يزال "المستشفى الإيراني" و"النادي الإيراني" مغلقين، لكن إجراءات الإغلاق لم تمتد إلى مؤسسات أخرى.
وتسيّر شركات طيران إيرانية رحلات مباشرة ومنتظمة بين إيران والإمارات، في حين لا تسيّر شركات الطيران الإماراتية الكبرى، وهي "طيران الإمارات" و"الاتحاد للطيران" و"فلاي دبي"، رحلات مباشرة إلى إيران، رغم أن بعض رحلاتها تستخدم المجال الجوي الإيراني.
وفي الجزء القديم من دبي، كان إيرانيون يتبادلون الحديث باللغة العربية مع زبائن إماراتيين داخل مطاعم ومقاهٍ إيرانية، فيما غُطيت واجهة أحد المطاعم بصور ضخمة لحكام الإمارات يبلغ ارتفاعها نحو سبعة أقدام، أي أكثر من مترين، إلى جانب عشرات الأعلام الإماراتية.
ومع استمرار الحرب، يشعر الإيرانيون في دبي بالقلق من تداعيات التدهور الاقتصادي في دول الخليج، ومن احتمال فقدان وظائفهم والاضطرار إلى العودة إلى إيران، فيما غادر بعضهم بالفعل بصورة استباقية إلى دول أخرى.
تناقض بين الموقف المعلن والواقع الاقتصادي
ويأتي استمرار النشاط التجاري الإيراني في وقت يتعارض فيه مع المواقف المعلنة لكل من الإمارات والولايات المتحدة.
وقالت وزارة الخارجية الإماراتية الأسبوع الماضي إن البلاد أوقفت التجارة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران.
وجاءت هذه الخطوة بعد أسابيع من الضغوط الأميركية على أبوظبي لاتخاذ إجراءات بشأن الروابط الاقتصادية مع طهران، وقبل الحملة التي أعلنها بيسنت، والتي انتقد خلالها على وجه التحديد الدول التي تستقبل الرحلات الجوية الإيرانية.
وقال بيسنت: "لم يعد من المقبول العمل في المناطق الرمادية لهذا الصراع. هذه الإجراءات توسّع نطاق مخاطر العقوبات الثانوية لتشمل أي شخص من الحماقة بمكان أن يواصل التعامل التجاري مع هذا النظام".
ولم ترد وزارة الخزانة الأميركية ولا وزارة الخارجية الإماراتية على طلبات للتعليق بشأن استمرار النشاط التجاري الإيراني.
وقال مسؤول في البيت الأبيض إن إدارة الرئيس دونالد ترامب تواصل العمل مع شركائها في المنطقة لتضييق الخناق على الاقتصاد الإيراني.
لكن فك الارتباط بين اقتصادي إيران والإمارات لا يبدو مهمة سهلة، في ظل تشابك العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين البلدين، اللذين لا يفصل بينهما سوى الخليج.
واستمرت هذه الروابط رغم أن إيران أطلقت خلال الحرب أكثر من 2800 طائرة مسيّرة وصاروخ على الإمارات، وهو عدد يفوق بكثير ما أطلقته باتجاه أي دولة أخرى، بما في ذلك إسرائيل، في إطار مساعيها لرفع الكلفة الاقتصادية العالمية للحرب بهدف الحد من الهجوم عليها.
وقال نيل كويليام، الباحث المشارك في مركز "تشاتام هاوس" للأبحاث في الشؤون الدولية في لندن: "إن اقتصادات دول الخليج العربية مندمجة ومتشابكة إلى حد كبير مع الاقتصاد الإيراني، ولذلك لا يمكن ببساطة قطع التجارة والنشاط الاقتصادي بين عشية وضحاها".
وأضاف: "تمكنت الإمارات، ودبي على وجه الخصوص، ومنذ فترة طويلة من مواصلة التجارة حتى في أوقات ممارسة أقصى الضغوط، وقطع هذه التجارة سيكون بمثابة الإضرار بمصالحها هي نفسها".
وبلغ حجم التجارة بين الإمارات وإيران نحو 28 مليار دولار في عام 2024، وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن منظمة التجارة العالمية.
وقال ماثيو ليفيت، الذي شغل في العقد الأول من الألفية منصب نائب مساعد وزير الخزانة لشؤون الاستخبارات والتحليل، إن الإمارات تضم ثاني أكبر عدد من الشركات والأفراد الذين فرضت عليهم وزارة الخزانة الأميركية عقوبات بسبب صلاتهم بإيران، بعد الصين.
وأظهرت دراسة أجرتها شبكة مكافحة الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة الأميركية في أكتوبر/تشرين الأول، أن شركات مقرها دبي نقلت 6.4 مليار دولار من الأموال المحتملة المرتبطة بشبكات "الظل المصرفية" الإيرانية خلال عام 2024، بما يمثل 71% من الإجمالي العالمي.
وقال مسؤولون أميركيون سابقون في مجال إنفاذ العقوبات إن حصة دبي على الأرجح أكبر بكثير، وإن على الولايات المتحدة الضغط على الإمارات لتشديد حملتها على الأنشطة التجارية الإيرانية غير المشروعة.
حسابات تتجاوز الاقتصاد
لكن واشنطن تواجه في الوقت نفسه مصالح جيوسياسية واسعة ومهمة في الإمارات.
وتُعد الإمارات من أبرز الدول الموقعة على "اتفاقات أبراهام" التي رعاها الرئيس دونالد ترامب لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، كما تعتبر إسرائيل شريكاً أمنياً رئيسياً للإمارات.
وتشكل الإمارات كذلك مصدراً للأموال المخصصة للاستثمار في قطاعات استراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي، فيما تمنح الجيش الأميركي حقوقاً مهمة لاستخدام قواعد عسكرية على أراضيها.
وبذلك، تصطدم فكرة قطع العلاقات الاقتصادية مع إيران في الإمارات بحسابات سياسية واستراتيجية، إلى جانب الاعتبارات المالية.
وقال ليفيت، الذي يعمل حالياً باحثاً بارزاً في معهد واشنطن: "سيكون هناك من يقول في الإمارات: مهما كان ثمن الهدوء، فهذا هو الثمن الذي يتعين علينا دفعه".
وأضاف، في وصفه لطريقة التفكير الإماراتية تجاه إيران: "من الأفضل تحقيق ذلك بالسماح لهم بالوصول إلى الخدمات المصرفية وسلاسل الإمداد عبر بلادنا بدلاً من عدم السماح بذلك".
وتعتمد دبي، التي لا تتمتع بالثروة النفطية التي تتمتع بها أبوظبي، على تدفقات مالية تشمل مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المتداولة عبر قنوات مالية موازية.
وقال ليفيت: "دبي على وجه الخصوص مركز رئيسي للكثير من عمليات التحايل على العقوبات، ولا شك في أن ذلك يمثل جزءاً كبيراً من اقتصادها. لكن هناك فرقاً بين الاعتماد عليه وبين مجرد جني الكثير من الأموال منه".
المصدر: وول ستريت جورنال
إقرأ المزيد


