مأرب برس - 8/23/2026 6:20:58 PM - GMT (+3 )
الأحد 23 أغسطس-آب 2026 الساعة 06 مساءً / مأرب برس - الغد
شكّلت الضربات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور العسكري في محافظة إدلب شمال غربي سوريا تحولًا في طبيعة المقاربة الإسرائيلية للوجود العسكري في سوريا، إذ لم تعد المخاوف تتركز فقط على احتمال عودة النفوذ الإيراني، وإنما باتت تشمل تنامي الدور التركي في إعادة تشكيل المنظومة العسكرية السورية.
انتقال القلق الإسرائيلي.. من إيران إلى تركيا
ونفذت إسرائيل، ليل الإثنين-الثلاثاء، أربع غارات جوية استهدفت مطار أبو الظهور، وفق ما أوردته وسائل إعلام عربية، قبل أن يكشف وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الجيش أوصى عدة مرات بتنفيذ الضربة استنادًا إلى معلومات استخباراتية قال إنها أظهرت نية تركيا تنفيذ أنشطة في المطار من شأنها تعريض أمن إسرائيل للخطر.
ويكتسب المطار أهمية خاصة بسبب موقعه الاستراتيجي، إذ يقع على مسافة نحو 70 كيلومترًا من الحدود التركية، في منطقة تربط بين إدلب وحلب وحماة.
وكانت المنطقة قد شهدت، وفق تقارير إسرائيلية، زيارة وفد عسكري تركي لبحث إمكانات إعادة تأهيل المطار وإعادته إلى الخدمة، ما جعل المنشأة المهجورة منذ سنوات تتحول إلى نقطة حساسة في الحسابات الأمنية الإسرائيلية.
اتصالات لتهدأت المخاوف الإسرائيلية
وقبل الهجمات، جرى أكثر من اتصال هاتفي بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان، وفقا لمصادر سورية وغربية.
وبحسب التقارير، تناولت الاتصالات النشاط السوري والتركي في القاعدة القريبة من الحدود التركية، والمخاوف الإسرائيلية من ترسيخ وجود عسكري تركي فيها.
وحاولت دمشق إبلاغ إسرائيل قبل الضربة بأنه لا توجد نية لإنشاء قاعدة تركية دائمة في أبو الظهور أو نشر قوة عسكرية فيها يمكن أن تهدد إسرائيل.
وقال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لموقع أكسيوس الأربعاء إنه أوضح لإسرائيل أنه لا خطط لإنشاء قاعدة عسكرية تركية في قاعدة أبو الظهور الجوية.
وأضاف أن عسكريين من تركيا زاروا القاعدة الواقعة في شمال غرب سوريا قبل عدة أيام من الضربة، لكنه شدد على أن ذلك كان جزءا من التعاون العسكري المستمر في مجالات التدريب وتبادل الخبرات.
وقالت وزارة الدفاع التركية الخميس، إنه لم يكن هناك أي وفد عسكري تركي في القاعدة قبل الغارة أو خلالها، وإن تركيا ستواصل دعم جهود سوريا لتطوير قدراتها العسكرية وبنيتها التحتية.
وأضافت الوزارة «من الضروري لسلام واستقرار كل من سوريا والمنطقة أن تكف إسرائيل عن مثل هذه الهجمات المتهورة وأن تمتثل لمتطلبات القانون الدولي».
جيش سوري جديد.. بدعم تركيا
ولم يعد المطار، من وجهة النظر الإسرائيلية، مجرد منشأة عسكرية تعود إلى مرحلة الجيش السوري السابق، بل موقعًا يمكن أن يدخل في عملية إعادة بناء القدرات العسكرية السورية بدعم تركي، بحسب ما جاء في تقرير لموقع واللا الإسرائيلي.
وبحسب الموقع، فقد انصبّ النهج الإسرائيلي في سوريا لسنوات على منع إيران و«حزب الله» من إنشاء بنية عسكرية تهدد إسرائيل، وعرقلة نقل الأسلحة والحفاظ على حرية الحركة الجوية الإسرائيلية.
لكن المعادلة تغيرت بشكل كبير مع تراجع النفوذ الإيراني في سوريا وسقوط حكومة بشار الأسد، وبدء مرحلة جديدة تسعى فيها دمشق إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش.
وفي هذا الفراغ، تسعى تركيا إلى لعب دور رئيسي في تشكيل الجيش السوري الجديد، مستفيدة من حدودها الطويلة مع سوريا ونفوذها المتزايد في شمال البلاد.
ومن هنا تبدو ضربة أبو الظهور محاولة إسرائيلية للتدخل في مرحلة مبكرة من عملية إعادة تشكيل القدرات العسكرية السورية، قبل أن تتحول المنشآت والبنية التحتية التي يجري تطويرها بدعم تركي إلى واقع عسكري يصعب تغييره.
إسرائيل تخشى تركيا «القوية»
تعزز تصريحات كاتس، اليوم السبت، هذا الاستنتاج، إذ قال إن رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الجيش عقدا اجتماعات عدة مع الجيش والأجهزة الأمنية، واتُفق على توجيه تحذير مباشر إلى الحكومة السورية على أعلى المستويات قبل الموافقة على الضربة، مع نقل المعلومات الاستخباراتية في الوقت نفسه إلى الولايات المتحدة.
وبحسب «واللا»، في التوتر المباشر مع أنقرة، تكمن المعضلة الأكبر بالنسبة إلى إسرائيل، فتركيا ليست طرفًا محليًا يمكن استهداف مصالحه دون حساب تداعيات واسعة. فهي عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وتمتلك جيشًا كبيرًا وطموحات إقليمية ونفوذًا في واشنطن.
كما أن غياب التنسيق بين أنقرة وتل أبيب بشأن التحركات العسكرية في سوريا يرفع خطر وقوع احتكاك مباشر بين البلدين، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى العمل على إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا وسوريا.
الأمر الذي تحدث عنه المبعوث الأميركي، توم باراك، خلال مقابلة اليوم السبت، مشددا على أن «غياب قنوات الاتصال» كان يمكن أن يفاقم الوضع ويخلق «مخاطر غير ضرورية».
كما أشار إلى أهمية «إنشاء آلية دائمة تعمل على مدار الساعة، وتضم موظفين متقنين للغات العبرية والعربية والإنجليزية والتركية»، سواء عبر هيكل رسمي أو قناة غير رسمية، مؤكداً أن الاتصال الموثوق به يظل ركيزة أساسية.
تريد إسرائيل، بحسب الموقع، أن تقول لدمشق إن إعادة بناء الدولة السورية لا تعني امتلاك قدرات عسكرية بلا حدود، ولأنقرة إن وجودها في سوريا لا يمنحها تفويضًا مفتوحًا، ولواشنطن إن أي ترتيب إقليمي جديد يجب أن يأخذ في الاعتبار المصالح والخطوط الحمراء الإسرائيلية.
وبذلك، لا تبدو الهجمات على أبو الظهور مجرد غارة على قاعدة عسكرية سورية، وإنما اختبار مبكر لمعادلة جديدة في سوريا: إسرائيل التي اعتادت التحرك لمنع إيران من بناء نفوذ عسكري على حدودها، تجد نفسها الآن أمام احتمال أن تساهم تركيا في بناء قوة سورية جديدة، بما يحوّل الصراع على النفوذ داخل سوريا إلى مصدر توتر مباشر بين أنقرة وتل أبيب.
الارتباك الإسرائيلي.. هل يحتمل جيش مستنزف جبهة جديدة؟
لكن التصعيد الإسرائيلي في الملف السوري يأتي تزامنًا مع حالة من الارتباك، إذ إن الجيش ينتشر في ثلاثة أحزمة أمنية في غزة ولبنان وسوريا، إضافة إلى الضفة الغربية.
فبحسب ما جاء في صحيفة معاريف الإسرائيلية، ألحقت الحرب على مدار السنوات الثلاث الماضية أضرارًا بالجيش من كل جانب ومن كل منظور.
إذ حلق سلاح الجو الإسرائيلي خلال هذه السنوات الثلاث ما كان يحلقه خلال تسع سنوات من الطيران في أوقات السلم.
كما استُهلكت آلاف المحركات في الدبابات وناقلات الجنود المدرعة، وتساوي كمية الذخائر التي استهلكها الجيش كمية الذخائر التي أطلقها خلال السنوات الثلاثين التي سبقت الحرب.
ويشير المحلل العسكري ألون بن ديفيد في مقال منشور بصحيفة معاريف إلى أن الاستنزاف لا يقتصر على المعدات - التي يمكن إصلاحها أو تعويضها - إذ إن ما هو أصعب بكثير هو الاستنزاف الذي أصاب البشر، إذ فقد الجيش الإسرائيلي وحده، من دون بقية الأجهزة الأمنية، 1,138 قتيلًا، فيما أصيب 11,730 من أفراده جسديًا ونفسيًا. وهذه فقط أعداد المصابين الذين تم الاعتراف بهم، ومن المتوقع أن ينضم إليهم آلاف آخرون من المصابين نفسيًا.
وينتشر الجيش الإسرائيلي اليوم في ثلاثة أحزمة أمنية: في غزة ولبنان وسوريا، بالإضافة إلى الضفة، التي تمثل المصدر الرئيسي للقوى البشرية، والنية هي مواصلة الحفاظ على هذه الأحزمة الأمنية وعلى الوجود المكثف في الضفة لفترة طويلة.
وتلفت الصحيفة إلى أن تكاليف تمديد انتشار الجيش الإسرائيلي لتنفيذ كل هذه المهام خيالية، إذ يكلف شهر واحد من خدمة الاحتياط في الجيش الإسرائيلي خلال العام الماضي نحو 2.1 مليار شيكل، أي ما يعادل سبع طائرات «إف-35» أو 70 دبابة ميركافا. وليس من المؤكد أن ذلك ضروري.
بحسب «معاريف»، يرى مسوؤلون في الجيش الإسرائيلي أن نتنياهو غير معني بإغلاق أي من جبهات القتال ويخطط لإشعال إحداها، على الأرجح غزة، من أجل عرقلة موعد الانتخابات أو تأجيله.
ويقول كبار المسؤولين في الجيش - بحسب الصحيفة - إنهم لن يقدموا يد العون للدخول في حرب جديدة وغير ضرورية. وبالنسبة إلى رئيس الأركان إيال زامير، الذي واجه بالفعل اختبارات صعبة أمام حكومة معادية، سيكون هذا هو الاختبار الأكبر.
إقرأ المزيد


