الذكاء الاصطناعي يهدد مهارات أطباء المستقبل
مأرب برس -

السبت 22 أغسطس-آب 2026 الساعة 07 مساءً / مأرب برس - وكالات

تتزايد الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في المجال الطبي، من البحث عن المعلومات الطبية إلى المساعدة في التشخيص واختيار العلاجات، لكن هذا التطور يطرح سؤالاً أكثر تعقيداً يتعلق بأطباء المستقبل: ماذا يحدث عندما يستخدم طالب الطب الذكاء الاصطناعي قبل أن يطوّر قدرته على التفكير السريري بنفسه؟

 

هذا السؤال ناقشه الكاتبان سيمار باجاج، طالب الطب في جامعة ستانفورد، وجوزيف ساكران، جراح الإصابات وخبير الصحة العامة في جامعة جونز هوبكنز، في مقال نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، محذرين من أن المشكلة قد لا تكون في فقدان مهارة يمتلكها الطبيب، وإنما في عدم اكتسابها من الأساس.

 

وتشير الصحيفة إلى الانتشار السريع لأدوات مثل OpenEvidence، وهي أدوات ذكاء اصطناعي مصممة لمساعدة الأطباء في الوصول إلى الأبحاث والإرشادات الطبية والإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالأعراض والتداخلات الدوائية وخيارات العلاج خلال ثوانٍ. ويستخدم هذه الأدوات عدد متزايد من الأطباء، فيما بدأ طلاب الطب والأطباء المقيمون في استخدامها خلال مراحل مبكرة من تدريبهم.

 

المشكلة، بحسب المقال، تظهر عندما يستعين الطالب بالذكاء الاصطناعي قبل أن يحاول تحليل الحالة بنفسه. ففي السابق، كان طالب الطب الذي يُطلب منه وضع قائمة بالتشخيصات المحتملة يضطر إلى التفكير واستعراض المعلومات التي يعرفها، وربما يرتكب أخطاء أو يغفل عن احتمالات مهمة. لكن هذه الأخطاء كانت جزءاً من عملية التعلم، إذ يكتشف الطالب ما فاته ويتعلم من المحاولة التالية.

 

أما اليوم، فيمكن للطالب أن يطرح السؤال على الذكاء الاصطناعي ويحصل خلال ثوانٍ على قائمة تبدو شاملة ومقنعة للتشخيصات المحتملة. وقد يمنحه ذلك مظهراً أكثر استعداداً أمام الطبيب المشرف، لكنه في الوقت نفسه قد يخفي نقطة ضعف أساسية: أنه لم يخض عملية التفكير التي يفترض أن يبني من خلالها حكمه السريري.

 

ويرى الكاتبان أن هذا الأمر يكتسب أهمية خاصة في الطب، لأن التدريب الطبي يقوم أساساً على التدرج في المسؤولية والتعلم من عدم اليقين والأخطاء والمواقف المعقدة. فالطبيب لا يتعلم فقط المعلومات الطبية، بل يطور مع الوقت قدرة على ملاحظة التفاصيل، والموازنة بين الاحتمالات، والتشكيك في التشخيص الأولي عندما لا تتطابق المعطيات.

 

وهنا يكمن الخطر الأكبر: إذا نشأ جيل من الأطباء معتاداً على الحصول على الإجابة من الذكاء الاصطناعي، فمن سيكون قادراً على اكتشاف خطأ الذكاء الاصطناعي عندما تصبح الإجابة التي يقدمها خاطئة؟ ويزداد القلق مع وجود دراسات تشير إلى أن بعض أدوات الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على الأدبيات الطبية الحديثة قد تكون أقل دقة مما تبدو عليه، ما يجعل الثقة الزائدة في مخرجاتها مشكلة حقيقية.

 

لكن الحل، بحسب طرح الغارديان، ليس منع الذكاء الاصطناعي من كليات الطب، وإنما تغيير طريقة استخدامه. ومن أبرز المقترحات أن يضع الطالب تشخيصه الأولي وخطته العلاجية بنفسه قبل الرجوع إلى الأداة، ثم يستخدم الذكاء الاصطناعي لمراجعة تفكيره واكتشاف ما فاته، بدلاً من أن يبدأ منه.

 

ويستشهد الكاتبان بقطاع الطيران، حيث لم يؤد اعتماد الطيارين على الطيار الآلي إلى إلغاء التدريب اليدوي؛ بل تحرص برامج التدريب على إبقاء الطيارين قادرين على قيادة الطائرة بأنفسهم عند الحاجة. ويرى المقال أن الطب يحتاج إلى المبدأ نفسه: استخدام الذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على قدرة الطبيب على العمل والتفكير بصورة مستقلة.

 

كما يقترح المقال تدريب طلاب الطب على اكتشاف أخطاء الذكاء الاصطناعي، من خلال عرض تحليلات طبية مولدة آلياً تتضمن أخطاء خفية، ثم مطالبة الطلاب باكتشافها وتفسير أسبابها. فالهدف ليس تعليمهم عدم الثقة بالذكاء الاصطناعي، وإنما تطوير نوع من الثقة المنضبطة التي تسمح لهم باستخدامه عندما يكون مفيداً والاعتراض عليه عندما يكون مخطئاً.

 

وفي النهاية، لا يرى الكاتبان أن الذكاء الاصطناعي يمثل تهديداً للطب بحد ذاته، بل يرون أن الخطر يكمن في أن يحل محل عملية التعلم نفسها. فالمرضى في المستقبل سيحتاجون إلى أطباء قادرين على الاستفادة من سرعة الآلة واتساع معرفتها، لكنهم سيحتاجون أيضاً إلى طبيب يستطيع أن يبتعد عنها للحظة ويسأل: هل هذه الإجابة صحيحة؟ وهل تنطبق فعلاً على هذا المريض؟

 

فالذكاء الاصطناعي قد يساعد الطبيب على أن يصبح أفضل، لكن بشرط ألا يتعلم الطبيب منذ البداية كيف يعتمد عليه بدلاً من أن يتعلم كيف يفكر.



إقرأ المزيد