مأرب برس - 5/29/2026 7:59:10 PM - GMT (+3 )
الجمعة 29 مايو 2026 الساعة 07 مساءً / مأرب برس - خاص
مثّلت العلاقة بين الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي ومحافظة مأرب، بقيادة محافظها عضو مجلس القيادة الرئاسي اللواء سلطان بن علي العرادة، واحدة من أبرز العلاقات السياسية والإدارية التي تشكلت خلال سنوات الحرب اليمنية.
ولم تكن هذه العلاقة مجرد ارتباط بين رئاسة الدولة وسلطة محلية، بل تحولت إلى شراكة استراتيجية أسهمت في الحفاظ على مؤسسات الدولة الشرعية، وتعزيز صمود اليمنيين في مواجهة انقلاب جماعة الحوثي، وتحويل مأرب إلى نموذج للاستقرار والتنمية في ظل ظروف استثنائية عاشتها البلاد.
هادي ومأرب.. علاقة سياسية وعسكرية أعادت تشكيل المحافظة خلال سنوات الحرب
لم تكن العلاقة بين الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي ومحافظة مأرب علاقة إدارية عابرة أو ارتباطاً تقليدياً بين رئيس ومحافظة، بل تحولت منذ عام 2012 إلى واحدة من أهم الشراكات السياسية والعسكرية في اليمن الحديث، خصوصاً بعد اندلاع الحرب وسيطرة جماعة الحوثي على صنعاء عام 2014.
ومع مرور السنوات، أصبحت مأرب تمثل بالنسبة لهادي مركز الثقل السياسي والعسكري للشرعية اليمنية، فيما تحول اللواء سلطان العرادة إلى أحد أبرز حلفائه وأكثر الشخصيات التي حظيت بثقته داخل منظومة الدولة.
لماذا عين الرئيس هادي الشيخ سلطان العرادة محافظا لمأرب؟
في السادس من أبريل 2012 أصدر الرئيس هادي قراراً جمهورياً بتعيين سلطان العرادة محافظاً لمأرب، ضمن حزمة تغييرات واسعة شملت عدداً من المحافظات اليمنية.
وجاء القرار في مرحلة شديدة الحساسية عقب أحداث 2011، حيث كانت مأرب تعاني من اختلالات أمنية وصراعات قبلية متكررة واستهداف متواصل لمنشآت النفط والكهرباء وخطوط نقل الطاقة.
وكان اختيار العرادة قائماً على عدة اعتبارات رئيسية:
- امتلاكه ثقلاً قبلياً واسعاً داخل مأرب.
- تمتعه بعلاقات متوازنة مع مختلف المكونات الاجتماعية والسياسية.
- خبرته السياسية الطويلة في البرلمان ومجلس الشورى.
- قدرته على احتواء النزاعات القبلية وتوظيف البنية القبلية لصالح الدولة.
- عدم ارتباطه بمراكز الصراع التقليدية التي كانت تعرقل استقرار المحافظة.
وقد رأت الرئاسة حينها أن مأرب تحتاج إلى شخصية قادرة على الجمع بين نفوذ الدولة واحترام القبائل، وهو ما كان متوفراً في شخصية العرادة أكثر من غيره.
مأرب بعد الانقلاب.. المحافظة التي حملت عبء الدولة
عقب سيطرة جماعة الحوثي "الإرهابية على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014 وما تلاها من أحداث أدت إلى انهيار مؤسسات الدولة في عدد من المحافظات، برزت مأرب كواحدة من أهم قلاع الشرعية اليمنية. وقد أدرك الرئيس هادي مبكراً الأهمية الاستراتيجية للمحافظة، ليس فقط من الناحية العسكرية، وإنما باعتبارها مركزاً اقتصادياً حيوياً وموقعاً جغرافياً مؤثراً في معادلة الصراع.
وفي هذه المرحلة، تعززت العلاقة بين هادي ومحافظ مأرب اللواء سلطان العرادة الذي تولى إدارة المحافظة في ظروف بالغة التعقيد، حيث واجهت مأرب تهديدات عسكرية مستمرة، إلى جانب موجات نزوح ضخمة من مختلف المحافظات اليمنية.
كيف كان هادي ينظر إلى مأرب؟
عكست خطابات الرئيس الراحل ومواقفه المتكررة تقديراً واضحاً للدور الذي لعبته مأرب خلال سنوات الحرب.
فقد وصفها في أكثر من مناسبة بأنها حصن الجمهورية وقلعة الصمود، مشيداً بما قدمه أبناؤها من تضحيات في مواجهة المشروع الحوثي.
كما نظر إليها باعتبارها نموذجاً وطنياً أثبت قدرة اليمنيين على بناء مؤسسات فاعلة وتحقيق الاستقرار حتى في أصعب الظروف.
ولذلك لم تكن مأرب بالنسبة لهادي مجرد محافظة ضمن خارطة البلاد، بل كانت رمزاً لاستمرار الدولة اليمنية ومشروعها الجمهوري.
ولم تقتصر هذه النظرة على الجانب العسكري فحسب، بل شملت أيضاً ما حققته مأرب من نجاحات في إدارة ملف النزوح وتقديم الخدمات والحفاظ على الأمن والاستقرار رغم الظروف الاستثنائية.
نظرة هادي إلى سلطان العرادة
على المستوى الشخصي والسياسي، حظي اللواء سلطان العرادة بمكانة خاصة لدى الرئيس الراحل.
فالرجل الذي تمكن من إدارة واحدة من أعقد المحافظات اليمنية خلال الحرب، نجح في الحفاظ على توازن دقيق بين المتطلبات العسكرية والقبلية والسياسية والتنموية.
وتشير الوقائع السياسية خلال السنوات الماضية إلى أن هادي كان ينظر إلى العرادة باعتباره أحد أبرز أعمدة الشرعية اليمنية، وأحد القادة الذين لعبوا دوراً محورياً في منع انهيار الدولة خلال المرحلة الحرجة التي أعقبت الانقلاب الحوثي.
كما ظل العرادة حاضراً في مختلف الترتيبات السياسية والعسكرية الكبرى التي شهدتها الشرعية، وهو ما عكس حجم الثقة التي حظي بها لدى الرئيس الراحل.
إرث سياسي مشترك
يمكن القول إن العلاقة بين الرئيس الراحل عبد ربه منصور هادي ومحافظة مأرب وقيادتها المحلية تمثل إحدى أبرز قصص الشراكة بين السلطة المركزية والسلطة المحلية خلال سنوات الحرب اليمنية.
فقد أسهمت هذه العلاقة في حماية المحافظة من السقوط، وتعزيز حضور الدولة في واحدة من أكثر المحافظات أهمية، كما أنتجت نموذجاً تنموياً وأمنياً استثنائياً في ظل ظروف الحرب.
ومع رحيل الرئيس هادي، يبقى هذا الإرث السياسي جزءاً من الذاكرة الوطنية اليمنية، ومحطة مهمة في تاريخ مأرب ودورها في الدفاع عن الجمهورية والحفاظ على مؤسسات الدولة خلال واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ اليمن الحديث.
ثقة سياسية متبادلة
خلال سنوات الحرب، منح الرئيس هادي دعماً سياسياً واضحاً لقيادة مأرب، وظلت المحافظة تحظى باهتمام خاص من الرئاسة اليمنية. وفي المقابل، شكلت مأرب إحدى أكثر المحافظات التزاماً بمؤسسات الدولة الشرعية وقراراتها.
وأظهرت العديد من المحطات السياسية والعسكرية حجم الثقة المتبادلة بين الطرفين، إذ حافظ اللواء سلطان العرادة على موقعه كأحد أبرز القيادات السياسية والعسكرية المساندة للرئيس هادي، بينما استمر الأخير في تقديم الدعم السياسي والإداري للمحافظة وقيادتها رغم التحديات التي واجهتها البلاد.
معركة الدفاع عن الجمهورية
برزت هذه العلاقة بصورة أوضح خلال المعارك الكبرى التي شهدتها مأرب، خصوصاً في الأعوام الأخيرة من الحرب، عندما تحولت المحافظة إلى الهدف العسكري الأبرز لجماعة الحوثي.
وخلال تلك الفترة، كانت مأرب تمثل آخر معاقل الدولة اليمنية في شمال البلاد، وأصبحت معركة الدفاع عنها معركة للدفاع عن الجمهورية والشرعية اليمنية. وقد اعتبر كثير من المراقبين أن صمود مأرب أسهم في منع انهيار مؤسسات الدولة الشرعية وإبقاء التوازن قائماً في المشهد اليمني.
وكان الرئيس هادي يتابع بصورة مستمرة تطورات الأوضاع في المحافظة، فيما قادت السلطة المحلية بقيادة العرادة جهوداً عسكرية وأمنية وتنموية مكثفة للحفاظ على استقرارها.
التنمية في زمن الحرب
من أبرز انعكاسات العلاقة بين الرئاسة اليمنية وقيادة مأرب نجاح المحافظة في تحقيق نموذج تنموي استثنائي مقارنة بظروف الحرب التي شهدتها البلاد.
ففي الوقت الذي تراجعت فيه الخدمات في مناطق واسعة من اليمن، شهدت مأرب توسعاً ملحوظاً في مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية والتعليم والصحة، إضافة إلى استيعابها ملايين النازحين القادمين من مختلف المحافظات.
وقد ساعد الغطاء السياسي الذي وفرته الشرعية اليمنية، إلى جانب الإدارة المحلية الفاعلة، على تحويل مأرب إلى مركز اقتصادي وإداري مهم خلال سنوات الحرب.
إقرأ المزيد


