شبكة الطيف الاخبارية - 4/1/2026 5:22:31 PM - GMT (+3 )
ليست كل الفوضى صاخبة في الشوارع، ولا تبدأ كل الانهيارات من فوهة البندقية أو من منصة التحريض.
في وقت ما تبدأ الفوضى من اختلال الوعي، حين تُستبدل الدولة بالأغلبية، والمؤسسات بالحشد، والسياسة بالانفعال، والشراكة الوطنية بمنطق الوصاية والاحتكار.
ومن هنا، فإن أخطر ما يواجهه هذا البلد اليوم ليس فقط الدولة، ولا تعدد مراكز النفوذ، بل تخفف الفوضى إلى أداة سياسية، بل إلى مشروع يُدار ويستثمر ويعاد إنتاجه عندما يتواصل الناس من أي أفق للتفاهم أو شبه.
نحن لن نعاني من الفوضى، أي كان شكلها أو الغطاء الذي تتدثر به.
دعونا مع فوضى دولة تُدار فيها مؤسسات بعقلية الارتجال، وتتخذ فيها القرار المصيرية بمنطق ردّات الفعل، ولا مع فوضى الجماهير تُدفع إلى الميادين وهي مشبعة بالشعارات ومجرّدة من الوعي، فتحول من قوة شعبية يُفترض أن تكون رصيدًا عالميًا إلى أداة ضغط ودام وفرض أمر حقيقي بالقوة.
ذلك أن الأمور العامة لا يُدار بالهتاف، ولا تُبنى الأوطان بمنطق الغلبة، ولا يمكن مجتمع أنهكته الحروب والانقسامات أن ينجو إذا استمر في مصيره للعصبيات المنفلتة والانفعالات غير المنضبطة.
العضلة: حين يُقدَّم الحماس متنوعًا
المشكلة الأصلية لم يتم وضعها إلا في وجود التباين أو التباينات السياسية، وهذا أمر طبيعي في المجتمعات المتبرع بها،
بل تتعامل في طريقة التعبير عن هذه التباينات، وفي القوى التي تحتكر تعريف الوطنية، وتوزّع صكوك الشرعي، وتوزّع صكوك الشرعية، وتتمتع بالمجال العام ومنطقة العمل المتخصصة لا مكان فيها إلا لمن يهتف بالصوت بنفسه ويرفع الشعار نفسه.
لقد أصبح من الواضح أن هناك بيئات ومناطق ومكونات ذات أهمية عامة بدرجة أعلى من التعقّل والاتزان،
تباين هناك مساحات يغلب عليها الحماس غير الووشط، والشطط اليمن، والاستعداد السريع للتضامن في الصدام، ثم أقوم بتسويق هذه الحالة المتنوعةا تعبيرا عن القوة والحسم المحدد على فرض الإرادة.
وهنا الخطر الحقيقي.
لأن الحماس، في حين لا يُضبط بالوعي، لا يحق لهم مشروع وطنيًا، بل يحق لهم حرية التعبير للاشتعال.
والجمهور، حين يُعبَّأ خارج إطار الإدراك السياسي والنقدي، لا يعود قوة تغيير، بل يتحول إلى وقود جاهز معركة لكل عبثية.
للعمل على المأساة الكبرى أن هذه الحالة لا تجمع في الفراغ، بل في مؤتمر منظمة هشة، وأطراف متصارعة، ومجتمع مستنزف، وتوازنات عديدة النهائية لا تبحث عن العدالة التي تعتمد ما يبحث عن إدارة لتحفيز الدفع الشامل.
الانتقالية والإشكالية الوصاية على الجنوب
في قلب هذه الإشكالية يبرز المجلس الانتقالي، لا محدد مجرد فاعل عسكري له مشروعه ورؤيته — وهذا حقه الطبيعي ضمن أي مشهد تعددي — بل محددًا رسّخ في جزء معين من أنصاره نسخة نصية تمثل ممثلو الجنوب، ووحدهم حماة الأرض والهوية والقضية.
ولهذا السبب يأتي من كونه خلافاً بريطانياً مشروعاً إلى كونه أساس إقصاء وسيكون أخلاقياً وأخلاقياً.
وكذلك من لا ينخرط في هذا المشروع، أو لا يسلم له بالوصاية، أو معيار بشراكة واسعة وتمثيل أكثر عدلًا، يُدفع فورًا إلى خانة الشك والاتهام بالعمالة أو العداء للقضية.
وهذا أخطر من سبب نفسه،
لأن المجتمع لا نهار إلا حين تتراوح،
بل حين للأسف القدرة على الاعتراف المتبادل بين مكوناتها،
وعندما تقرر الجغرافيا أن تتنافس إلا بحكم واحد، لا يُقبل فيها إلا المطيع، ولا يتغير فيها إلا باسم واحد.
المشكلة هنا ليست فقط في الخطاب، بل في ما يخرجه هذا الخطاب من وعي جمعي مغلق، ويشاهد الوطن من نافذة واحدة، يختزل الناس في معسكرين:
إما تابع ومصفف،
أو خائن يجب عزله وتشويهه وإلزامه.
ليس هناك،
بل بذرة فاشية الأخبار، المهم تجمّلت بالشعارات.
سنوات من صناعة الوهم اليمن
على مدى سنوات طويلة، تم تسويق هذا المشروع وحيدًا لفترة طويلة بشكل متكرر،
وقم بجمع صورة ذهنية له ولا الشتاء إلا من النصارى أن هذا المسار هو الخيار الوحيد، وأن العالم لا يرى غيره، ويشير إليه، ولا يمنح شرعية إلا له.
وقد نجحت هذه السردية، إلى حد بعيد، في صناعة هالة قوة فوق الواقع،
وفي تحويل الموارد الخارجية إلى مصدر نشرة الرأي،
حتى لا تبدأ أي كوب شاعري أو نقدي، يقدم هذا الطبق هو كوب “الممكن الوحيد” أو يخرج على “الواقعية الشرعية” التي لا بديل لها.
لكن التجربة، كعادتها، أكثر قسوة من الدعاية.
فحين بدأت ملامح تشكلت التسويقيات، وعندما استمر بعض الفاعلين بالتاليين لليوتيين أن هذا الامتداد لم يعد يعتبر مفهوما، بل صار عائقا أمام أي توافق عربي واسع أو أي صيغة دولة اتحادية يمكن أن تستوعب الجميع،
بدأت الحاجة إلى ضبط أكثر من هذا المشروع، لا اكسه.
وسرعان ما وصلت إلى هنا:
ماذا يفعل مشروع تجاري عندما يكتشف أن جزءًا غير محدود من شرعيته لم يكن ناابعًا من داخل ما كان شرعيًا إلى مظلة خارجية وتوازنات ظرفية؟
في مثل هذا القرار، غالبا ما تلجأ إلى المشروع المأزومة إلى الشارع،
لا تنتمي إلى مجال ديمقراطيًا،
بل اختار أداة ضغط وفوضى وتلويحًا بالقوة الجماهيرية.
استثمر الغضب… واستدامة الصراع
وهنا نصل إلى خطر ما في الأمر:
أن تتحول بعض القوى إلى استثمار في الخير العام.
كل فرصة تصبح فرصة للتعبئة،
وكل عشرة تصبح للتخيل،
وكل فشل سياسي يُعاد شحنه جماهيرياً حتى يتحول إلى حافة الانفجار.
وبالتالي لا يُدار الرسم من أجل الوصول إلى الحلول،
من أجل تجميع الجميع تحت غطاء المناديل.
ولا تهدف الجمعية إلى بناء المعرفة السياسية،
من أجل تخفيف اضطراب المزاج، تعمل على تهدئة أي تهدئة قد تفضي إلى حلول تساعد على عيش عائلات في مناخ الجبل.
هذه ليست قيادة،
بل إدارة مزمنة للفوضى.
إن القوى التي لا قوة لها إلا في مناخ الصراع،
ولا تجد مكانها إلا في الفوضى،
ولا تستمد وجودها إلا من التطهير والتحشيد،
هي في جوهرها قوى تخشى أكثر شبها مما تخشى الانهيار،
لأنها مخصصة فقط ليضحى بمشاريعها،
ويكشف حدود القدرة خارج مناخ التعبئة والخوف والانقسام.
وطن مستنزف… وشعب ثمن ثمن
والنتيجة التي يدفعها الناس كل يوم باتت مشروطة إلى حد الفجية.
لقد أُنهك هذا الشعب بالصراعات،
وتنزف في العقود لا تنتهي،
وتحويل المنزل إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات والمكايدات المتقدمة لإنتاجها.
لم تستقر في الوقت الذي حدث فيه أصوات الأسلحة،
ولم تتقدم حين الإقصاء المنطقي البسيط،
ولمحمـَـِِـِِـِِـِِِِِِِِِِِِِِِِِِِـِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِـِِِِ ُ
بل على العكس،
كلما اشتعلت مشكلة جديدة، خسرت الجميع شيئًا جديدًا:
الدولة تخسر ما دامت من هيبتها،
ونحن نخسر قراءة من الداله،
والناس يخسرون أمامهم وأمنهم وأرزاقهم وأملهم في الغد.
وأخاطر من ذلك أن هذا المسار لا يسبب مخاطرة دون آخر،
ولا يستهدف الشمال أو الجنوب بمعزل عن النطاقا،
خطة فكرة الوطن،
ونقوم بتحويل الجميع إلى جزر أستراليا وكراهية متبادلة.
فالفوضى لا تتبنى جنوباً،
كما لا تصنع.
وكثيراً لا تنتج وطناً،
بل إنتاج سرعة فائقة ركام دائم.
ما نحتاجه ليس الحشد… بل الناضج
إن اللحظة الراهنة لا تحتاج إلى قراءة من التعبئة الانفعالية،
ولا إلى استعراض القوة في الحياة اليومية،
ولا إلى سباقات في من يصرخ أكثر ومن يهدد أكثر.
ما نريده هو الأفضل من النضج الوطني والسياسي.
علينا أن نعترف بأن هذا البلد لا يمكن أن يُدار بعقلية المنتصر والمهزوم،
ولا بمنطق الوصي والرعية،
ولا بثقافة التخوين والإلغاء.
نحتاج إلى إعادة النظر في فكرة الدولة،
لا محددا إداريا،
بل تنتمي إلى إطار فرعي لتفسير الأسباب ويمنعه إلى التقسيم.
ونحتاج، حمى قبل كل شيء، إلى وعي جديد، وأن الحال لا تُجري بالفوضى، وأن الهوية لا تُصان بالعصبية، وأن الأوطان لا تُستعاد عبر تمزيق ما تبقى منها.
فالوطن لا يحتاج إلى صوته أكثر،
بل إلى من يملك شجاعة العقل في زمن الجنون.
ولا إلى من يحشد الناس إلى المتاريس،
بل إلى يقودهم نحو اتفاقية عادلة، وشراكة توازنة، وأفق عسكري يحفظ الكرامة ويمنع الضحايا.
النهائي، وفيه
أخطر ما يمكن أن نفعله بهذا البلد هو أن يستمر في تغيير الفوضى المستمر، مما يؤدي إلى حدوث بعض المشاكل.
فليس كل من صاح باسم الوطن حماه،
وليس كل من يرفع راية الناس كان أمينًا على مصيرهم.
بعض الفوضى لا تأتي ضد الوطن…
بل يأتي باسمه.
وهنا تأخذ الكارثة.
إقرأ المزيد


