مأرب برس - 2/14/2026 12:12:34 PM - GMT (+3 )

السبت 14 فبراير-شباط 2026 الساعة 12 مساءً / مأرب برس -وكالات
هل جاءت مياه الأرض من الفضاء بفعل اصطدام المذنبات والكويكبات، أم أنها كانت جزءا من تكوين الكوكب منذ البداية؟
هذا السؤال الذي شغل علماء الأرض والكواكب لعقود، يعود اليوم إلى الواجهة بعد دراسة علمية حديثة تقترح احتمالا لافتا، مفاده أنه ربما تحتوي نواة الأرض نفسها على كميات هائلة من الماء مخبأة في أعماقها، على هيئة هيدروجين مرتبط بمواد معدنية.
تشير الدراسة التي نشرت في 10 فبراير/شباط في مجلة "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications)، إلى أن قلب الأرض قد يحتوي على ما يعادل بين تسعة وخمسة وأربعين ضعفا كمية المياه الموجودة في محيطات الأرض الحالية. إذا تأكدت هذه النتائج، فقد تغير فهم العلماء لأصل مياه الكوكب، بل وربما طريقة تقييم إمكانية وجود الماء على كواكب أخرى أيضا.
النتائج تفتح بابا جديدا لفهم تاريخ الأرض المائي (غيتي)
مياه أعمق من المحيطات يتكون الماء أساسا من الهيدروجين والأكسجين، لكن قياس وجود الهيدروجين في أعماق الأرض يمثل تحديا علميا كبيرا، لأن نواة الكوكب تقع تحت ضغوط هائلة ودرجات حرارة تصل إلى آلاف الدرجات المئوية، وهي ظروف يستحيل الوصول إليها مباشرة.
لهذا السبب استخدم فريق البحث تقنيات مخبرية متقدمة لمحاكاة الظروف التي سادت أثناء تشكل نواة الأرض قبل نحو 4.5 مليار عام، حسب أستاذ الجيوكيمياء المساعد في كلية علوم الأرض بجامعة بكين الصينية دونغيانغ هوانغ، والذي يقول في تصريحات للجزيرة نت: "تم تسخين مواد معدنية إلى درجات حرارة مرتفعة جدا تحت ضغوط شديدة باستخدام أجهزة متخصصة تعرف باسم خلايا السندان الماسي، وهي من أكثر الأدوات تطورا في دراسة أعماق الكواكب"
ويضيف الباحث إنه في المرحلة التالية، استخدم الباحثون تقنيات تحليل ذري دقيقة لرصد توزيع العناصر داخل المواد الناتجة عن التجربة، وتمكنوا من رصد الهيدروجين مباشرة داخل سبائك الحديد الغنية بالأكسجين والسيليكون، وهي مواد يعتقد أنها مكونات رئيسية لنواة الأرض.
وتشير النتائج إلى أن نسبة صغيرة من الهيدروجين داخل النواة يمكن أن تعادل كميات ضخمة من المياه إذا حسبت على مستوى الكوكب كله.
إعادة رسم قصة المياه يعتقد دونغيانغ أن النتائج تفتح بابا جديدا لفهم تاريخ الأرض المائي، إذ تشير بيانات الفريق إلى أن الأرض ربما لم تكن جافة كما اعتقد سابقا، بل احتفظت بكميات معتبرة من الهيدروجين منذ مراحل تشكلها الأولى.
ويضيف: "إذا تأكدت هذه التقديرات، فقد يعني ذلك أن جزءا كبيرا من مياه الأرض جاء مع مواد تكوين الكوكب نفسه، وليس نتيجة اصطدامات متأخرة مع مذنبات كما تفترض بعض النظريات" يتوافق هذا الطرح مع اتجاه علمي حديث يرى أن الماء عنصر أساسي في تشكل الكواكب الصخرية، وليس مجرد مادة وصلت لاحقا من الفضاء.
كما لا تقتصر أهمية هذه النتائج على فهم ماضي الأرض فقط، بل تمتد إلى علوم الكواكب بشكل أوسع؛ فإذا كان تخزين الهيدروجين داخل النواة ممكنا على نطاق واسع، فقد يعني ذلك أن بعض الكواكب الصخرية الأخرى تحتوي أيضا على احتياطيات مائية عميقة حتى لو بدت جافة على سطحها، حسب هوانغ.
ويشير دونغيانغ إلى أنه إذا كانت هذه الآلية شائعة في الكواكب الصخرية، فقد نحتاج إلى إعادة تقييم فكرة الكواكب الجافة، لأن جزءا من المياه قد يكون مخبأ في أعماقها، "وهذا الاحتمال مهم خصوصا في سياق البحث عن كواكب قابلة للحياة خارج النظام الشمسي، حيث يعد وجود الماء أحد أهم الشروط الأساسية للحياة كما نعرفها" دورة مياه داخلية للكوكب تقترح الدراسة أيضا أن المياه المخزنة في النواة ليست مجرد مخزون ساكن، بل قد تلعب دورا في العمليات الجيولوجية العميقة، فمع تبريد نواة الأرض تدريجيا عبر الزمن، قد يتحرر جزء من الهيدروجين إلى طبقات أعلى من الكوكب، ما قد يؤثر في حركة الصخور داخل الوشاح أو في طبيعة النشاط البركاني.
كما يمكن أن يكون لهذا المخزون المائي تأثير غير مباشر في المجال المغناطيسي للأرض، الذي يحمي الكوكب من الإشعاع الكوني، عبر تأثيره في حركة المواد داخل النواة.
ويقول هوانغ إن "فهم كمية الهيدروجين في النواة لا يساعد فقط في تفسير أصل المياه، بل أيضا في فهم تطور الأرض الداخلي وديناميكيتها على المدى الطويل".
ورغم أهمية النتائج، يشدد الباحثون على أن تقدير كمية الهيدروجين في نواة الأرض ما يزال يكتنفه قدر من عدم اليقين، إذ إن القياسات تعتمد على تجارب مخبرية، ومحاكاة لظروف شديدة التعقيد، وقد تتغير النتائج مع توفر بيانات أو تقنيات أدق في المستقبل.
لكن الدراسة تعد خطوة مهمة في محاولة فهم تركيب الأرض العميق، وتقدم دليلا تجريبيا مباشرا على إمكانية وجود كميات كبيرة من الهيدروجين في النواة، وهو أمر كان يصعب إثباته سابقا
إقرأ المزيد


