«الجادة السلطانية»… رواية تفتّش في الذاكرة والسلطة من منظور أنثوي
مأرب برس -

الجمعة 23 يناير-كانون الثاني 2026 الساعة 07 مساءً / مأرب برس - خاص

 

في قراءة نقدية معمّقة، تناول الدكتور علي عبد الظاهر رواية الجادة السلطانية للكاتبة اليمنية آسيا ناصر، واصفًا إياها بأنها تجربة روائية حديثة وجريئة تسائل التاريخ والسلطة من داخل الوعي الذاتي الأنثوي، عبر بناء سردي تأملي كثيف الرموز، يستثمر الذاكرة الفردية والجمعية في آن واحد.

الذاكرة بوصفها مدخلًا للسرد

 

تدور الرواية حول البطلة «زبيدة»، التي تعيش حالة من القلق الوجودي والبحث الداخلي، تدفعها إلى استعادة ذكرياتها منذ لحظات مبكرة تصل – رمزيًا – إلى ما قبل الميلاد. ومن هذه النقطة، تنطلق الساردة في رحلة ذهنية تتنقل فيها بين أماكن وشخصيات ارتبطت بتاريخ السلطة والحكم في اليمن، متخذة من «الجادة السلطانية» محورًا مركزيًا للحكي، لا باعتبارها مكانًا جغرافيًا فحسب، بل رمزًا تاريخيًا ودلاليًا لعبور الوعي من الهامش إلى المركز.

 

ويشير عبد الظاهر إلى أن الرواية لا تقدّم سردًا تاريخيًا توثيقيًا، بل تعتمد على استدعاءات جزئية ولمحات متفرقة من التاريخ، تتقاطع مع التجربة الذاتية للبطلة، لتكشف عن علاقة مركبة بين الفرد والتاريخ، وبين المرأة وبنية السلطة الذكورية.

 

التاريخ بوصفه «ميراجًا»

 

أحد المحاور المركزية في الرواية، بحسب الدراسة، هو تفكيك مفهوم التاريخ بوصفه حقيقة ثابتة. فالكاتبة تنظر إلى التاريخ على أنه «ميراج» تصنعه السلطة، بينما تتولى الذاكرة الفردية مهمة تفكيكه وإعادة تشكيله. ومن هنا، تعود الساردة إلى شخصيات تاريخية نسائية، أبرزها «زبيدة» زوجة هارون الرشيد، لتقارن بين حضور المرأة في التاريخ الرسمي وتجربتها الذاتية في الحاضر.

 

هذا التداخل بين الأزمنة – من العصر العباسي مرورًا بعهد الملك المظفر، وصولًا إلى إشارات معاصرة – يخلق بنية زمنية غير خطية، تتماوج بين الحاضر والذاكرة والتاريخ الرمزي، في محاولة لإثبات أن الماضي لا يُستعاد كما هو، بل يُعاد تشكيله وفق حاجات الحاضر وأسئلته.

 

سرد تأملي وهيمنة الصوت الواحد

 

وتقف الدراسة عند الخيار الفني للكاتبة باستخدام السرد بضمير المتكلم، معتبرة أنه منح النص عمقًا نفسيًا ووجدانيًا، وسمح بالنفاذ إلى العالم الداخلي للشخصية الرئيسة، لكنه في الوقت نفسه أدّى إلى هيمنة الصوت الواحد وتراجع التعددية الصوتية، ما جعل الشخصيات الثانوية تؤدي أدوارًا رمزية أكثر من كونها شخوصًا مستقلة فاعلة في تحريك الحدث.

 

كما لاحظ عبد الظاهر أن الرواية تعمد إلى إزاحة الحدث إلى المرتبة الثانية لصالح التأمل، حيث تغيب الحبكة التقليدية والصراع المتصاعد، ويحل محلها التداعي الفكري والوجداني، وهو ما منح النص طابعًا فلسفيًا واضحًا، لكنه أبطأ الإيقاع السردي وأضعف الذروة الدرامية.

 

اللغة والرمز

 

على المستوى اللغوي، تشيد الدراسة بلغة الرواية، واصفة إياها بأنها لغة واعية ومتزنة، تعتمد الفصحى الميسّرة دون تعقيد أو ترهل، مع توظيف محسوب للمجاز والخيال. كما يحضر التناص التاريخي والثقافي بوصفه عنصرًا داعمًا للبنية الدلالية، دون أن يتحول إلى استعراض معرفي.

 

غير أن كثافة الرمز – ولا سيما مفاهيم مثل «الميراج» و«العبور» و«الظل» – أدت في بعض المواضع إلى غموض دلالي تجاوز حدود الإيحاء الفني، وأثقل عملية التلقي، خصوصًا لدى القارئ غير المتخصص.

 

ملاحظات نقدية

 

ولم تخلُ القراءة من تسجيل مآخذ فنية، من بينها مشاهد رآها الباحث «تنافي المعقول السردي»، مثل استدعاء البطلة لتجارب وهي جنين في رحم أمها، إضافة إلى بعض العناصر الرمزية التي تطرح تساؤلات منطقية داخل البناء السردي، ما قد يؤثر في الانطباع الأولي لدى القارئ.

 

كما أشار إلى ضعف التجسيد الحسي للمكان، حيث ظل الفضاء الروائي في كثير من المقاطع فكرة رمزية أكثر منه تجربة معيشة ملموسة.

 

تجربة نخبوية التلقي

 

ويخلص عبد الظاهر إلى أن «الجادة السلطانية» تمثل تجربة روائية نخبوية التلقي، تخاطب قارئًا مشغولًا بأسئلة الهوية والذاكرة والسلطة، أكثر من بحثه عن المتعة الحكائية المباشرة. ومع ذلك، يؤكد أن هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة الرواية، التي يراها عملًا أدبيًا احترافيًا غنيًا بالأفكار والدلالات، ويعكس حضورًا نسويًا واعيًا في المشهد الروائي اليمني المعاصر.



إقرأ المزيد